#أهل_قريتنا_البتانون حكاية رجل من زمن الجدعنة… حين كان العرق وسامًا، وكانت المهنة شرفًا لا يُشترى.
#أهل_قريتنا_البتانون
حكاية رجل من زمن الجدعنة… حين كان العرق وسامًا، وكانت المهنة شرفًا لا يُشترى.
في قرية #البتانون، حيث تختلط رائحة الطين بذكريات #الرجال، تبدأ حكايتنا مع طفل وُلد #عام 1939 في الناحية القبلية، بجوار #مسجد_السلام. لم يكن يعلم أن خطواته الصغيرة في طرقات القرية ستصنع يومًا سيرة تُروى للأجيال.
الطفل الذي التحق بالمرحلة #الابتدائية، لم تُمهله الظروف ليستكمل تعليمه. لكن الفقر لم يهزمه، بل علّمه مبكرًا أن الحياة تحتاج إلى #إرادة.
نظر حوله، فاختار أن يتعلم #صنعة بيده، لأن اليد التي تعمل لا تُمد لأحد. تتلمذ على يد المعلم أحمد الطنطاوي، وتعلم مهنة الكي، ليس كعملٍ عابر، بل كرسالة #شرف_المهنة.
كبر الشاب، وأدى #الخدمة_العسكرية، وعاد إلى قريته أكثر صلابة. وفي عام 1962، افتتح محلهالصغير بجوار #مسجد_الأنصاري. محل بسيط في شكله، عظيم في معناه. كانت #المكواة في يده كأنها أداة لإصلاح الحياة، لا مجرد فرد للملابس.
كان يبدأ يومه مبكرًا، يفتح بابه بابتسامة، يستقبل الناس بوجه بشوش، يرش الماء على #القماش، يضبط الطية، يسوّي الياقة، ويُعيد لكل قطعة هيبتها. كان يؤمن أن #الإتقان عبادة، وأن الزبون أمانة.
وفي عام 1967، جاءه نداء #الوطن مرة أخرى، فلبّى دون تردد. عاد بعدها ليكمل رحلته، وتزوج عام 1972، لتبدأ معركة جديدة عنوانها #الأسرة. لم يكن أبًا عاديًا، بل كان مدرسة تمشي على قدمين. ربّى أبناءه على #الاعتماد_على_النفس، وغرس فيهم وصيته الدائمة: “حب لأخيك ما تحبه لنفسك”.
أنجب ستة من الأبناء، أربعة ذكور واثنتين من الإناث.
كبر الابن الأكبر ليصبح مدير مدرسة، محققًا حلم العلم الذي لم يُتح للأب.
وسار اثنان من أبنائه في طريق #العمل_الحر، شركاء في مشروعهم الخاص، يحملون روح أبيهم في كل خطوة.
أما الابن الثالث، فاختار طريق #الغربة، يعمل في المملكة العربية السعودية، ساعيًا وراء الرزق الحلال، وفاءً لتربية أبيه.
لم يكن محله مجرد مكان للكي، بل كان مجلسًا مفتوحًا. الطلبة يجلسون فيه للمذاكرة، يستمعون لنصيحته، فيشجعهم على التفوق ليحققوا ما لم يتح له أن يحققه. كان يفرح بنجاحهم كأنهم أبناؤه.
وكان حاضرًا في أفراح القرية، يوزع الحلوى على العرسان، ويشارك الجميع مناسباتهم، رجلًا يعيش بـ #الطيبة و#المحبة.
انتقل لاحقًا بمحله إلى أمام الكنيسة القديمة، في مشهد يعكس روح الألفة التي عُرفت بها البتانون.
كان من محبي ومشجع لكرة القدم، كان مختلفًا؛ إذ كان من أنصار #نادي_الزمالك وسط أغلبية تشجع النادي الأهلي، وكانت له مواقف طريفة، لكن اختلاف الانتماء لم يُنقص من قدره شيئًا، لأن الأخلاق كانت أكبر من كل الانتماءات.
ومع تقدّم العمر، وحين ضعفت اليد التي حملت المكواة لعقود، أغلق محله في هدوء، وجلس بين #أبنائه وأحفاده، راضيًا بما قدّم. وفي 7 يوليو 2019، أسلم الروح، لكن لم تُغلق صفحته.
برحيله، انقرضت مهنة مكوجي الرجال من الناحية الشرقية، وكأن المكان فقد أحد أعمدته.
هذه ليست مجرد قصة مكوجي… بل قصة كفاح رجل آمن أن الرزق الحلال عز، وأن التربية أعظم استثمار، وأن الأثر الطيب أبقى من المال.
الحاج فوزي عبدالسلام البغل، الشهير بالمعلم أحمد البغل، لم يترك وراءه ثروة تُعد، بل ترك أبناء ناجحين، وسمعة طيبة، وسيرة تُحكى بفخر.
رحم الله رجلًا عاش بسيطًا… فصار كبيرًا في قلوب الناس.
تعليقات
إرسال تعليق