من البتانون خرج النور… حكاية قرية أنجبت العِلم، وسيرة المبدع زهير الشايب
من البتانون خرج النور… حكاية قرية أنجبت العِلم، وسيرة المبدع زهير الشايب
نبدأ هذا المقال بالدعاء #للراحل_الكبير_زهير_الشايب، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وجعل عمله وجهده في ميزان حسناته. نرجو من كل من يقرأ هذه السطور أن يذكره #بالدعاء_الصالح، فذلك أقل ما نقدمه لشخص أضاء بعلمه وثقافته دروب الآخرين.
ومن هنا تبدأ #الحكاية… من قلب الدلتا، من #قرية_البتانون التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية، القرية التي لم تكن يومًا مجرد #رقعة_خضراء على الخريطة، بل كانت وما زالت منبعًا للعلم والعطاء، وبيتًا مفتوحًا #للمواهب والعقول اللامعة. #البتانون أنجبت علماء وأدباء وأطباء ومربين، رجالًا ونساءً حملوا رسالة المعرفة وخدمة الناس، بعضهم لمع اسمه في الأضواء، وكثيرون عملوا في صمت، لكن أثرهم باقٍ في القلوب قبل السجلات.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الكاتب والمترجم الكبير #زهير_الشايب، أحد أنبل نماذج المثقف المصري الذي صنع مجده بالكدّ والاجتهاد. #وُلد_عام_1935 في البتانون، وتلقى تعليمه الأولي ثم انتقل لاستكمال دراسته حتى حصل على #ليسانس_الآداب من جامعة القاهرة عام 1959. منذ شبابه المبكر كان مولعًا #باللغة_العربية، متقنًا للفرنسية، فامتلك أدوات الترجمة والإبداع معًا، وبدأ رحلته العملية معلّمًا في مصر وسوريا، قبل أن ينتقل إلى العمل #الصحفي_والثقافي، ويشارك بفاعلية في الحياة الأدبية والفكرية.
لم يكن #زهير_الشايب كاتبًا عابرًا، بل صاحب مشروع، وأعظم ما قدّمه للثقافة المصرية كان ترجمته لأجزاء متعددة من موسوعة #وصف_مصر، ذلك العمل الضخم الذي يوثق تفاصيل مصر في مطلع القرن التاسع عشر. ترجم تسعة أجزاء كاملة، #ونشر أول أربعة أجزاء على نفقته الخاصة إيمانًا برسالته، قبل أن تتبنى مؤسسات النشر لاحقًا هذا الجهد الجبار. جاءت #ترجمته_دقيقة وأمينة، مشفوعة بشرح المصطلحات الغامضة، خاصة في المجالات العلمية والفنية، فكان عمله جسرًا حقيقيًا بين المعرفة الغربية والقارئ العربي. وبفضل هذا العطاء نال #جائزة_الدولة_التشجيعية عام 1979، و**#وسام_العلوم_والفنون** من الطبقة الأولى.
لكن، وكما يحدث كثيرًا مع المخلصين، دفع ثمن إخلاصه للثقافة؛ فبعد حصوله على منحة #تفرغ_ثقافي لإتمام مشروع الترجمة، تعرّض للفصل من عمله الصحفي، ثم واجه محنًا أخرى انتهت بابتعاده عن مصر فترة، قبل أن يعود في ظروف إنسانية صعبة. ورغم ذلك، ظل ثابتًا على مبادئه، مؤمنًا بأن المعرفة تستحق التضحية. واستمر إرثه العلمي من خلال ابنته #منى_زهير_الشايب، أستاذة الحضارة، التي واصلت ترجمة أجزاء أخرى من الموسوعة بمنهج أكاديمي رصين، لتكتمل دائرة العطاء.
ومع كل هذا التاريخ، لم ينل زهير الشايب التكريم الذي يليق بحجمه، واقتصر الأمر في قريته على إطلاق اسمه على زقاق صغير، بينما بقيت أعماله شاهدة على قيمة ما قدّم. ومع ذلك، يظل حيًا في ذاكرة #البتانون، كما يظل حيًا في ضمير كل من يعرف معنى #العلم_والإبداع_العطاء**.
والبتانون لم تكن يومًا قرية اسم واحد، بل مدرسة كاملة خرّجت #علماء_وأدباء_وأطباء_ورجال_أمن_وجيش** #ومثقفين، حملوا قيم الريف الأصيل: الصدق، والجدعنة، وحب الخير، وخدمة الناس. فيها من علّم الأجيال في الفصول، ومن داوى المرضى في العيادات، ومن نشر الكلمة في الصحف والكتب، ومن ربّى أبناء القرية على الأخلاق قبل المناهج. هؤلاء جميعًا هم #ثروة_البتانون الحقيقية، وهم مجدها الممتد عبر السنين.
إن الحديث عن #زهير_الشايب هو في جوهره حديث عن #البتانون نفسها: قرية صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في التأثير، تُنجب أبناءً يرفعون اسمها #واسم_مصر عاليًا، حتى وإن ساروا في طرق شاقة. وسيبقى واجبًا علينا أن نعيد إحياء سير هؤلاء الرموز، وأن نعلّم أبناءنا أن النجاح لا يُقاس بالشهرة فقط، بل بما يتركه الإنسان من أثر نافع في حياة الناس.
وفي الثالث من مايو عام 1982، رحل عن عالمنا الكاتب والمترجم الكبير #زهير_الشايب إثر ذبحة صدرية مفاجئة، بعد رحلة طويلة من العطاء والصبر والكفاح في سبيل الثقافة والمعرفة. رحل الجسد، وبقي الأثر… بقيت كتبه، وبقيت ترجماته، وبقي اسمه شاهدًا على زمن كان فيه المثقف يحارب وحده من أجل الفكرة.
لم يمت زهير الشايب في ذاكرة أهله ولا في ضمير قريته البتانون، بل ما زال حاضرًا في كل صفحة ترجمها، وفي كل قارئ تعرّف على مصر من خلال “وصف مصر”، وفي كل شاب يتعلّم أن النجاح الحقيقي هو الإخلاص لما تؤمن به، مهما كان الثمن.
هذه الحملة ليست مجرد كلمات…بل محاولة ردّ جميل،ووقفة وفاء لرجل أعطى أكثر مما أخذ، وتذكير للأجيال أن بيننا عظماء رحلوا في صمت.
رحم الله زهير الشايب رحمة واسعة، وجعل علمه صدقة جارية إلى يوم الدين.ورحم الله كل وفيات البتانون والمسلمين والمسلمات، وأسكنهم فسيح جناته، وجعل أعمالهم نورًا لهم في قبورهم، وبارك في الأحياء ليكملوا المسيرة بالعلم والصدق والعطاء.
فالبتانون ليست مجرد حكاية…البتانون وطن صغير، وفي جوفها عقول صنعت تاريخًا، وستظل تنجب المجد جيلًا بعد جيل.
كان معكم
تعليقات
إرسال تعليق