#أهل_قريتنا_البتانون قصة كفاح من البتانون… من الجاز إلى البوتاجاز، ومن القلب إلى قلوب الناس
#أهل_قريتنا_البتانون
قصة كفاح من البتانون… من الجاز إلى البوتاجاز، ومن القلب إلى قلوب الناس
في إطار سعينا الدائم لتوثيق الذاكرة الشعبية لقرية البتانون العريقة، بكل ما تحمله من شخصيات خالدة ومعالم لا تُنسى، نواصل من البتانون تسليط الضوء على منارات الكفاح والوفاء التي صنعت تاريخ هذه القرية وأثّرت في وجدان أهلها.
نعمل بكل حب وإخلاص على أرشفة القصص التي تستحق أن تُروى، والوجوه التي لا يجب أن تغيب عن ذاكرة الأجيال القادمة، لتكون مرآة حيّة للمستقبل ومرجعًا لكل من أراد أن يعرف من نحن… وما الذي جعل من البتانون قرية ليست ككل القرى.
في قلب قرية البتانون بمحافظة المنوفية، وبين دروبها الطيبة وأهلها الأصيلين، ظهرت منذ أواخر السبعينات ملامح رجل استثنائي… رجل حمل همّ الناس قبل أن يحمل همّ نفسه، وسار في طريق الكفاح خطوة بخطوة حتى أصبح أحد أبرز رموز العمل المجتمعي والخدمي في القرية. إنه الحاج صبري عبدالغفور عبدالعال، الرجل الذي علّم الجميع أن النجاح لا يُقاس بالمناصب ولا الشهادات، بل بالبصمة التي تتركها في قلوب الناس.
من أبو صالح بقرية البتانون بدأت الحكاية...
وُلد الحاج صبري عام 1954 في منطقة أبو صالح بقرية البتانون، وسط أسرة كبيرة مكونة من سبعة إخوة، وكان ترتيبه الخامس؛ أول ولد بعد أربع شقيقات، وتلاه أخوان، فكان هو "سند البيت"، وذراع والده الأيمن. منذ صغره، لم يتردد في التضحية بتعليمه ليتحمل المسؤولية ويقف بجوار الأسرة، ويبدأ مسيرته العملية مبكرًا.
بدأ العمل مع والده في مشروع الجاز، حيث كانا يستقلان سيارة "الكار الجاز" ويطوفان بها في أرجاء القرية، يوزعان الوقود على الأهالي الذين كانوا يعتمدون آنذاك على "اللمبة الجاز" في الإنارة، في زمن لم تعرف فيه القرية التطوير بعد.
ومع مرور الوقت، كبر الشاب وتوسعت خبراته، فجمع بين عمله في مصنع غزل شبين الكوم صباحًا، وعمله الأساسي مساءً على عربة الجاز، يطوف بها المحال والبيوت، يخدم الناس بحب، ويتقن عمله بإخلاص. كان لا يعرف الراحة، ولا يعرف الكلل، يحمل ثوبين في اليوم الواحد، أحدهما للعَمل والآخر لخدمة الناس.
في ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى مستودع بوتاجاز واحد بمحافظة المنوفية، داخل الجمعية الاستهلاكية بشبين الكوم. وكان الحاج صبري يذهب بنفسه إلى هناك ليشتري الأسطوانات ويوصلها إلى بيوت الأسر البسيطة في البتانون، يصطحب ابنه معه، ويزرع فيه حب الخدمة والعمل منذ الصغر.
ومن هنا بدأت الفكرة تتبلور… لماذا لا يكون هناك مستودع بوتاجاز داخل القرية نفسها؟ وبعد رحلة كفاح طويلة واكتساب للثقة والخبرة، توجه الحاج صبري إلى النائب البرلماني في ذلك الوقت، الحاج شفيق الجندي، الذي كان له فضل كبير بعد الله في فتح الأبواب، ونجح بالفعل في الحصول على موافقة من وزير البترول حينها، أحمد نوح، بإنشاء مستودع في القرية.
وفي أواخر السبعينات أو بدايات الثمانينات، أبصر الحلم النور، وافتُتح أول مستودع بوتاجاز بقرية البتانون، وثاني مستودع على مستوى محافظة المنوفية، ليبدأ فصل جديد من فصول الكفاح الحقيقي.
أزمة الغاز… وشهامة الرجال
لم يكن مجرد صاحب مستودع. بل كان رجل أزمات. كان يقف بجوار الدولة وقت الشدائد، يخرج بسيارته إلى القرى المجاورة ويوزع الغاز بنفسه، يطمئن الناس ويسد العجز. ربطته علاقات وثيقة بالمسؤولين، وكان على تواصل دائم مع رئيس شركة الغاز، وكذلك مع محافظ المنوفية ووزير البترول، للمساهمة في حل أزمات التوزيع.
بدأ المستودع على الطريق الزراعي، أمام ورشة الحاج أحمد حمد، ولكن لاحقًا صدر قرار وزاري بنقل المستودعات خارج المناطق السكنية، فتم نقله إلى موقعه الحالي بجوار مسجد رياض الصالحين والمركز الطبي الخيري بالبتانون، وما زال المستودع قائمًا حتى اليوم، يُدار على نفس الأسس والمبادئ التي غرسها المؤسس، ويتولى إدارته الآن شقيقه الحاج حمودة عبدالغفور عبدالعال.
قلب قوي… وقلب أبيض
كان الحاج صبري مثالًا للرجولة والانضباط في العمل. شخصيته قوية، حاسمة، تحافظ على حقه وحق الناس. لكنه في الوقت نفسه، كان حنونًا طيب القلب، يعرف كيف يُرضي من يغضب، وكان مشهورًا بين أهالي القرية بـ"القلب الأبيض". كان يساعد الجميع، يحنو على البسطاء، ولا يرد صاحب حاجة.
حين توفي – رحمه الله – في 4 يونيو 2020، كانت البلاد تمر بأزمة جائحة كورونا، وكانت الجنائز محدودة العدد، ولكن جنازته كسرت القاعدة. امتلأت الساحة بالمشيعين، في مشهد مهيب يعكس حب الناس له، ومكانته التي لم يكن أحد يجهلها.
حج الحاج صبري مرتين، عام 2007 و2012، وكان من أهل المسجد، لا تفوته صلاة. ومن أعماله الخيرية التي لا تُنسى، أنه خصص سيارة للطوارئ لأي مريض أو حالة طارئة، وهبها لله دون مقابل. كما رُوي أنه دفن رجلًا غريبًا لا يملك مقبرة في مدفن عائلته، وأوصى أن يُدفن باقي أفراد أسرته معهم بعد وفاته، ما يدل على نُبل أخلاقه وصدق إنسانيته.
لم تكن قصة الحاج صبري عبدالغفور عبدالعال مجرد قصة كفاح، بل قصة رجل أحب الناس فأحبوه، خدمهم فأخلصوا له، وأسس مشروعًا لا يزال يخدم القرية حتى يومنا هذا. بقي المستودع، وبقيت المبادئ، وبقيت الدعوات في ظهر الغيب.
وهكذا نكون قد توقفنا أمام واحدة من أنبل شخصيات قريتنا، التي خلدت اسمها بعملها، لا بأقوالها. ومن هنا، نعدكم أن نستكمل هذا الطريق، وسنواصل تسليط الضوء على كل من ترك بصمة في تاريخ البتانون.
رحمك الله يا حاج صبري، وأسكنك فسيح جناته، وجعل عملك في ميزان حسناتك.
انتظرونا في اللقاء القادم مع شخصية جديدة من رموز القرية، التي لمعت في ميادين مختلفة، وما زالت تُلهم حاضرنا وتمهد لمستقبلنا.
معكم ومنكم، ولكم دائماً …
الصحفي: السيد عبدالرحيم الزرقاني
تعليقات
إرسال تعليق