#أهل_قريتنا_البتانونصابر غنيم... طِيب الأصل وعِطر السيرة ومعلم الأجيال

#أهل_قريتنا_البتانون

صابر غنيم... طِيب الأصل وعِطر السيرة ومعلم الأجيال

في زمن ندر فيه المعلم القدوة، يظل الأستاذ صابر غنيم واحدًا من القلائل الذين جمعوا بين الأخلاق الرفيعة والعلم الغزير، وبين التواضع والحزم، فهو رجل تحلّى بكل الصفات الحسنة، ومعلم أجيال بمعنى الكلمة.
عرفه طلابه وزملاؤه بصوته الهادئ، وحضوره الوقور، فلم يكن يحتاج لرفع صوته حتى يُنصت له الجميع، يكفيه احترامه لنفسه ولرسالته حتى يفرض احترامه على من حوله.

مدرس عظيم لم يبخل بعلمه، ولم يتوانَ يومًا عن أداء رسالته، فكان بحقّ رمزًا من رموز التربية والتعليم، وبصمة لا تُنسى في حياة كل من تعامل معه.
ندعو الله أن يرحمه ويغفر له، ويسكنه فسيح جناته

أحيانًا نعيش لحظات عابرة في ظاهرها، لكنها تزرع في القلب أثرًا لا يُمحى.
وأنا في صحبتك يا أبي، كنت أظن أننا في طريقنا لأمر يخصك... لكنك أمسكت بيدي وقالت:
"تعالى نروح نزور الأستاذ صابر غنيم... أبو أحمد".
سألتك: "مين دا يا بابا؟"، فأجبتني بنبرة كلها توقير:
"دا من أطيب خلق الله، هو وزوجته وأولاده.. ناس مش بيتكرروا، وهتشوف بنفسك".

لم أكن أدري أن هذه الزيارة ستكون درسًا في الوفاء، وفي معرفة قيمة الناس الطيبين.
طرقنا الباب، ففتحه رجل يملأه الوقار، وعيونه تنطق بالحكمة، قال:
"تفضل يا حاج عبد الرحيم"، ثم نظر إليّ وقال:
"ومن الشاب دا؟"، فأجبته: "ده ابني السيد".

ابتسم وقال: "سبحان الله، نسخة من خاله"، ثم جلس يحكي عنك يا أبي،
يحكي بحب وتقدير عن العِشرة والرجولة والنُبل.
خرجنا من عنده، وقلت لك: "يعني إيه؟ زيارة وخلاص؟"،
فأجبتني بابتسامتك الهادية:
"الناس دول دروس، والبر بيبدأ من هنا... لما تعرف تحب اللي أنا بحبه، وتحترم اللي له فضل على بلدنا وأهلنا".

الأستاذ صابر غنيم لم يكن مجرد اسم في سجلات التعليم، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، مدرسة في الخُلق، في العلم، وفي القدوة.
وُلد عام 1937 في قرية البتانون، وسكن بمنطقة المساكن بجوار الساحة الشعبية، تربى على يد العالم الرباني الشيخ أحمد عبدالنبي،
وحفظ القرآن الكريم في سن العاشرة، ثم التحق بالأزهر الشريف، وتخرج من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ليحمل راية اللغة العربية بعزة ووقار.

كان أبًا ومعلّمًا وأخًا كبيرًا، لا تراه إلا وهيبًا، أنيق الطلة، عذب الصوت،
عاش عمره مُحبًا للناس، قريبًا من قلوبهم، صاحب كلمة طيبة ووجه بشوش لا يتبدل.

عمل إمامًا وخطيبًا لمسجد سيدي علي الأنصاري، ثم معلمًا للغة العربية في مدرسة البتانون الثانوية العامة،
وأبهرنا جميعًا بشرحه العبقري لكتاب "عبقرية الصديق" للعقاد، في دروسه بمسجد السلام في الثمانينات.
ثم انتقل إلى إدارة التربية والتعليم، حيث تولى مناصب رفيعة: رئيس قسم الإعارات، ثم رئيس قسم الإحصاء بمديرية التربية والتعليم.

كان له فضل كبير على أجيال متتابعة، ومنهم الأستاذ عبدالرحمن البجاوي الذي قال لي يومًا:
"الأستاذ صابر هو السبب في دخولي دار العلوم سنة 1961".

رحل عن دنيانا في 22 سبتمبر 2012، لكن سيرته لا تزال تزهر في كل مجلس، وفي كل قلب عرفه أو سمع به.
كان من هؤلاء الرجال الذين يمشون على الأرض تواضعًا، فيرفعهم الله مقامًا...
من الذين يزرعون الخير في الناس، ثم يرحلون وتبقى آثارهم صدقة جارية إلى يوم الدين.

ورغم رحيله، لم ينقطع عطاؤه، فابنه الأستاذ المحترم أحمد غنيم، يواصل على نفس النهج، يحمل نفس الأخلاق، ونفس الحب للناس.

البتانون تفخر دائمًا بأبنائها الكبار، لكن الأستاذ صابر له مكانة خاصة، لأنه من أولئك الذين يُضيئون القلوب قبل أن يُضيئوا العقول،
ومن عائلة لا زالت عنوانًا للطيبة والكرم والنُبل.

رحمك الله يا أستاذ صابر... وجعل ذكرك عطرًا يتناثر في مجالس أهل البتانون جيلاً بعد جيل.

تعليقات

المشاركات الشائعة