مربٍ فاضل رحل ناصحًا... وترك أثراً لا يُمحى

مربٍ فاضل رحل ناصحًا... وترك أثراً لا يُمحى

في زمن تباينت فيه القيم، وازدحم المشهد بصخب الحياة، هناك من يرحلون في صمت لكن يبقى أثرهم خالدًا في قلوب الناس... من هؤلاء كان الأستاذ محمد الفرو، مدير المدرسة السابق، والمربي الفاضل، الذي عاش معلمًا، ومات ناصحًا، وترك لنا سيرة تستحق أن تُروى.

منذ عام فقط، خرج الأستاذ محمد إلى المعاش بعد مسيرة تعليمية مشرفة، لم يركن فيها للراحة، بل اختار أن يعمل "نقاشًا" بجانب معاشه المتواضع، ليوفر حياة كريمة لأسرته، ويظل واقفًا بشرف في وجه الظروف. لم يكن العمل بالنسبة له مجرد وسيلة للكسب، بل صورة من صور الكرامة والعطاء.

زوجته تحكي عن رجل عظيم، حافظ للقرآن، ربّى أبناءه الثلاثة على الخُلق والعلم، وكانت ابنته الكبرى تنتظر مولودها، بينما هو ينتظر حياةً جديدة في أسرته الصغيرة. تقول إنه كان لا يضيع صلاة، ولا وقتًا في غير طاعة، دائمًا ما ينصح الشباب ويعاملهم كأنهم أبناؤه وطلابه.

لم يكن مجرد مدير مدرسة، بل كان معلم أجيال، خرّج الدكتور والمهندس والمحاسب، وكانوا جميعًا يسرعون إليه كلما رأوه ليسلموا عليه بفخر وامتنان. تحكي زوجته عن ذلك المشهد الأخير قبل خروجه من المنزل لصلاة العشاء، عندما قبّل يد ابنه ورجله، وحين تعجبت، ردّ قائلاً: "أبويا.. أقبّل رجله عادي."

خرج الأستاذ محمد كعادته، إلى المسجد، في خشوع المعتاد على الطاعة. زوجته نزلت بعده بدقائق في طريقها لزيارة أخيها، فلم تجده. خطوات قليلة من مستشفى منوف العام كانت كافية لتقابل وجه الصدمة... أخوها وابنها في انهيار. "جوزك مات..." قالوها والدموع في أعينهم، لكنها لم تكن تعلم بعد ما الذي جرى!

ظنتها وفاة طبيعية في بيت من بيوت الله، لكن الحكاية كانت مختلفة. ذهب كعادته ناصحًا، رأى شابًا بصحبة فتاة في وضع لا يليق قرب المسجد، فتوجه إليهما بلين القلب وبصوت الحكمة: "يا ابني ماينفعش كدا..."، فدفعه الشاب ليسقط على الأرض... وكانت السقطة الأخيرة. قلبه الضعيف لم يتحمل، وفاضت روحه إلى بارئها، تاركًا الجسد، وباقيًا في الذاكرة.

لم يكن عابر سبيل. كان من أهل الخير، وكان على موعد بعد العشاء ليرتب أمر خطبة قريبة لأحد أبنائه. صديقه حكى كيف أن الأستاذ محمد أخبره قبل دقائق من الحادث عن السيارة التي تتردد على المكان، وكيف رفض الذهاب بمفرده احترامًا للنظام، قائلاً: "بلغ الشرطة."

لكنه لم يعد، ولم يُكمل المكالمة. وكان الرحيل.

رحل الأستاذ محمد، فبكى عليه الجيران، وتحدثت عنه القرية بكل ما فيها من حب. لم يكن رجلًا عادياً، بل كان رمزًا للأخلاق، للعلم، وللتواضع. رجل عاش محترمًا، ومات في سبيل النصيحة... في سبيل القيم التي علّمها طوال حياته.

رحمة الله عليه، وغفر له، وجعل الجنة داره ومأواه. فهؤلاء لا يرحلون فعلاً... بل يعيشون بيننا ما حيينا.

تعليقات

المشاركات الشائعة