#أهل_قريتنا_البتانون الحاج أحمد أبو هندية... "سائق الخير" وبطل الظل من أبناء البتانون
#أهل_قريتنا_البتانون
الحاج أحمد أبو هندية... "سائق الخير" وبطل الظل من أبناء البتانون
في كل قرية، هناك رجال لا تنساهم الذاكرة، لأنهم لم يمروا في الحياة مرور الكرام، بل نقشوا أسماءهم في القلوب بما قدّموه من عطاء وإنسانية. ومن بين هؤلاء الكبار، يبرز اسم الحاج أحمد عبدالمحسن أحمد أبو هندية، أحد رموز قرية البتانون بمحافظة المنوفية، رجلٌ جمع بين البساطة وخفة الظل والكرم، وبين الجندية في ميدان الحرب والتفاني في ميدان العمل.
من مسجد الأنصاري إلى خطوط النار
ولد الحاج أحمد في ٢٤ سبتمبر ١٩٥١ في منطقة مسجد الأنصاري، ونشأ وسط أسرة عريقة أنجبت رجالًا بارزين، منهم اللواء أنس أبو هندية -رحمه الله-، والكابتن طارق أبو هندية، أحد أعمدة نادي الجمهورية الرياضي.
تلقى تعليمه في مدارس البتانون حتى تخرجه من مدرسة الزراعة، والتي كانت حينها من المدارس القليلة والمميزة، غير أن قلبه كان ينعطف دومًا إلى شغفه الحقيقي: السواقة، التي عشقها منذ نعومة أظافره.
لكن القدر أراد له أن يكون أولًا جنديًا مقاتلًا، فارتدى زي الجيش المصري، وخدم لمدة سبع سنوات كاملة من عام 1968 إلى عام 1975، وهي فترة كانت البلاد فيها في حالة طوارئ مستمرة بسبب الأوضاع الإقليمية المتوترة بعد نكسة 67. شارك في حرب الاستنزاف، وكان من أبطال نصر أكتوبر المجيد 1973، حيث رفع مع زملائه راية مصر عالية، مؤديًا دوره الوطني في صمت وتضحية.
بعد انتهاء خدمته العسكرية، بدأ فصلًا جديدًا من الكفاح، فسافر إلى السعودية للعمل سائقًا، حيث كوّن نواة مستقبله، ثم عاد إلى وطنه حاملًا طموحًا كبيرًا: أن يمتلك سيارته الخاصة ويبدأ مشروعه في نقل الركاب بين شبين الكوم والقاهرة.
وبالفعل، كان من أوائل من اقتنوا سيارة بيجو للعمل بها، ثم توسع لاحقًا ليصبح من أشهر سائقي توصيل الركاب إلى مطارات مصر، وقد شهد له الجميع بتمكنه وخبرته، حتى أصبح اسمًا مألوفًا بين المسافرين ورجال الأعمال.
لكن ما لا يعرفه كثيرون، أنه لم يكن يعمل وحده، بل كان يفتح بيوتًا لأفراد عملوا معه على سياراته، وكأنهم أصحابها، متوكلًا على الله دومًا، ورافعًا شعار الرزق بالمحبة والتعاون، لا بالاحتكار.
كان الحاج أحمد أشبه بخريطة بشرية، لا يجهل طريقًا ولا يعجز عن وصف أي موقع. وكان يتمتع بعلاقات واسعة ومحبة كبيرة من الجميع، يساعد المحتاج دون أن يعلم أحد، ولم تُعرف كثيرٌ من مساعداته إلا بعد وفاته، حين بدأ الناس يتحدثون عن "رجل الخير في صمت".
كان محبوبًا من أصدقاء أبنائه، لا يشعرون بوجود حاجز بينه وبينهم، بل كانوا يرونه واحدًا منهم، لا يتوقف عن الهزار والمزاح، يملأ البيت بالضحك والدفء. وكان صديقًا لأولاده، وسندًا حقيقيًا لعائلته، وعاش لأجلهم ولم يرتح إلا بعد أن اطمأن على زواجهم واستقرارهم.
في 29 مارس 2020، غاب الجسد وبقيت السيرة، رحل الحاج أحمد بعد صراع مع المرض، في ظل توقيت ظروف كورونا، فكانت جنازته مشهدًا مهيبًا، أُقيمت الصلاة عليه في ملعب الشرقية، في حضور كبير يؤكد مكانته في قلوب الناس.
وفي ذكرى وفاته، لا نملك إلا أن ندعو له بالرحمة، ونسأل الله أن يُبقي سيرته نورًا في طريق أبنائه، الذين لا يزالون يمشون على نهجه الطيب، محافظين على سمعته، حاملين إرثه الإنساني.
إننا في هذه السلسلة من المقالات نسلط الضوء على رجال البتانون الأوفياء في جميع الفئات: من الأبطال العسكريين، إلى المجتهدين في ميادين العمل، إلى الحالمين ممن تركوا فينا أثرًا.
نُحيي اليوم ذكرى الحاج أحمد أبو هندية، وننتظر مساء اليوم بإذن الله سيرة شخصية جديدة من شخصيات قريتنا الملهمة.
كان معكم الصحفي/ السيد عبدالرحيم الزرقاني
تعليقات
إرسال تعليق