أهل قريتنا البتانون..البطل الحاج يوسف أبو زهرة... أحد رجال النصر وذاكرة البتانون
#أهل_قريتنا_البتانون
شخصية اليوم
قد لا يعرفه الجميع في قريتنا، لكني تشرفت بلقائه قبل وفاته، واستوقفتني قصته كما استوقفتني ملامحه الهادئة وكلماته الصادقة.
حين جلست معه وسَمعت منه عن رحلته في صفوف الجيش المصري، وعن خدمته للوطن في صمت وتواضع، شعرت أن من واجبي أن أُعرّف الناس به، وأن أكتب عنه ليصل دعاء الجميع إلى قبره، فيكون له نورًا ورحمة.
شخصيات كهذه لا تبحث عن الشهرة، لكنها تستحق أن تُذكر، وأن يُرفع لها الدعاء، لأن ما قدموه أكبر من أن يُنسى أو يُختصر في كلمات.
#أهل_قريتنا_البتانون
البطل الحاج يوسف أبو زهرة... أحد رجال النصر وذاكرة البتانون
في كل مرحلة من تاريخ مصر، يظهر رجال خُلقوا ليصنعوا المجد، رجالٌ لم يطلبوا شهرة، ولم يسعوا خلف أضواء، لكنهم حملوا في قلوبهم الإيمان، وفي أيديهم السلاح، وفي أرواحهم حب الوطن. من هؤلاء الرجال الأبطال الذين شاركوا في ملحمة النصر بحرب أكتوبر المجيدة، كان ابن قرية البتانون البار، الحاج يوسف محمد إبراهيم أبو زهرة، أحد من حملوا أرواحهم على أكفهم في سبيل الله والوطن.
من مواليد مدينة الإسكندرية، حيث كان والده يخدم في القوات المسلحة، لكنه لم ينسَ جذوره يومًا، فعاد إلى قرية البتانون ليستقر بها تنفيذًا لوصية والدته، التي كانت تتمنى أن يعيش في مسقط رأس العائلة. وقد كان وفيًا لهذا الانتماء، فظل محبًا لقريته وأهله حتى وفاته.
في إحدى الجلسات التي جمعتني به قبل وفاته، سرد لي مواقف من حرب أكتوبر لا تخطر على بال، مواقف لا تجدها في الأفلام أو المسلسلات، بل تعيشها كأنك تقرأ من كتاب القدر. قال لي إنه كان ضمن فريق تطهير الألغام، حيث كانت مهمته خطيرة إلى حد لا يوصف، وذكر لي تفاصيل حادثة مؤلمة تعرض خلالها لإصابة بطلقات رصاص في قدمه، وانقلبت به السيارة العسكرية سبع مرات وسط الألغام، بينما استشهد خمسة من زملائه أمام عينيه، لكنه نجا بأعجوبة وسط الانفجارات، مرددًا "الله... الله"، مؤمنًا أن حفظ الله لا يغيب عن عباده المخلصين.
كان فخورًا بأنه نال تكريمًا من السيدة جيهان السادات، تقديرًا لمشاركته البطولية في الحرب، وظل محتفظًا بقطعة من ملابس زميله الشهيد كذكرى تلازمه حتى وفاته. كما كانت لديه قدرة غير عادية على استحضار تفاصيل دقيقة من أيام الحرب، بل كان يتحدث عن المواقع والأحداث وكأنه ما يزال هناك.
سنوات ما بعد الحرب لم تكن سهلة، فقد أُصيب الحاج يوسف بسلسلة من الجلطات، وكانت آخرها في منطقة النطق، إلا أن عجيب أمره أنه كان لا يتحدث إلا إذا ذكر اسم الله، فكان صامتًا إلا للسلام أو التسبيح، وكأن لسانه أُعد خصيصًا لذكر ربه.
ولما حانت ساعته في 17 مايو 2019، كان الختام يليق برجل صالح، فقد وصف المغسل ، الذي قام بتغسيله، أن وجهه كان كـ"ملك من ملوك الجنة"، مُبتسمًا ابتسامة نورانية كظاهرة. عرق الحبين وهذا علامات، وكأنها حُسن خاتمة من الله لصاحب القلب النقي.
قال عنه الأطباء الذين تعاملوا معه إنه رجل من شيم الصالحين، وكانوا يرونه يخرج من الشدائد دومًا وكأنه يُبعث من جديد، بوجهٍ مشرق وروحٍ مطمئنة، يروي ابنه هذه التفاصيل باكيًا، لا حزنًا، بل فخرًا واعتزازًا، لأنه يعلم جيدًا أن والده كان من الطيبين.
إن الحديث عن الحاج يوسف أبو زهرة هو استحضار لرموز يجب أن تظل حاضرة في ذاكرة الأجيال، وقدوة لأبناء قرية البتانون الذين برعوا في شتى المجالات، من الطب والهندسة إلى التعليم والعمل العام، وهو تذكير بأن خلف كل بطل حكاية، تستحق أن تُروى وتُخلد.
فلنكتب عن هؤلاء، ولنحتفِ بهم، فهم نبض الوطن، وعطر القرى، وذاكرة المجد. ونحن في انتظار أن نروي سيرة الشخصية القادمة من قريتنا، لأن كل بيت في البتانون يحتفظ بقصة فخر.
كان معكم الصحفي/ السيد عبدالرحيم الزرقاني
تعليقات
إرسال تعليق